محمد سعيد رمضان البوطي
345
فقه السيرة ( البوطي )
مسجد الضرار روى ابن كثير عن سعيد بن جبير وقتادة وعروة وغيرهم أنه كان في المدينة رجل من الخزرج اسمه أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصر في الجاهلية وله مكانة كبيرة في الخزرج ، فلما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية ، شرق أبو عامر بريقه وأظهر العداوة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم خرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم إنه لما رأى أمر رسول اللّه في تقدم وارتفاع ، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فوعده ومنّاه ، فأقام عنده وكتب إلى جماعة من قومه من منافقي المدينة يعدهم بما وعده به هرقل ، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ، ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك . فشرعوا في بناء مسجد قريب من مسجد قباء ، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك ، وجاؤوا فسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلّة في الليلة الشاتية ، فعصمه اللّه من الصلاة فيه وقال : « إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء اللّه » ، فلما قفل عليه الصلاة والسلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين ، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى ذلك المسجد من ها قبل مقدمه إلى المدينة « 1 » ، ونزل قوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 107 ) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( 108 ) [ التوبة : 107 و 108 ] . ومعنى قوله تعالى : ضِراراً [ التوبة : 107 ] أنهم إنما بنوه ضرارا لمسجد قباء ،
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 2 / 387 و 388 ، ورواه ابن هشام في سيرته على نحو قريب في ج 2 / 322 .